النويري

221

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولما اشترى دار قايماز النّجمى ، وجعلها دار حديث ، ترك النعل فيها ، ونقل إليها الكتب الثمينة ، وأوقف عليها الأوقاف . وعمر غيرها من الأماكن الشريفة : منها مسجد أبى الدّرداء بقلعة دمشق - بناه وزخرفه - وكان غالب إقامته به . والمسجد الذي عند باب النصر ، وجامع العقيبة ومسجدا خارج باب الصغير ومسجد القصب خارج باب السلامة ، وجامع بيت الآبار . ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة . وزاد وقف دار الحديث النّوريّة . هذا وتربته بالكَّلَّاسة بدمشق ، وتربة والدته بالقرافة بمصر . وبنى أيضا ببلاد الشرق وخلاط خانات السبيل . وكان - رحمه اللَّه تعالى - حسن الظن بالفقراء ، يحسن إليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال والأطعمة . وكان في ليالي شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق ، ويرسل في الليل جفان الحلو إلى الجامع والزوايا والرّبط ، ما قرب منه وما بعد . وكان ابتداء مرضه في شهر رجب ، سنة أربع وثلاثين وستمائة ، مرضين مختلفين في الأعالي والأسافل . وكان الحرائحى يخرج العظام من رأسه ، وهو يسبّح اللَّه ويحمده ثم اشتد به الذّرب ، فلما يئس من نفسه قال لوزيره - جمال الدين بن جرير - : في أي شى تكفننى ؟ فقال : حاشاك ! فقال دعني من هذا ، فما بقي في قوّة يحملني أكثر من نهار غد ، وتوارونى . فقال في الخزانة تصافى . فقال : حاش للَّه أن أكفن من هذه الخزانة .